الشيخ السبحاني
96
مفاهيم القرآن
والشيطان الذي ينابذه وينادده هي النفس الأمّارة بالسوء . أقول : إنّ تفسير النبوّة بالنبوغ وإن صيغ في قالب علمي جديد ليس نظرية جديدة بحدّ ذاتها ، فإنّ جذوره تمتد إلى عصر المشركين المعاصرين للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فإنّهم كانوا يحسّون بحالة الإنجذاب للقرآن وبلاغته الخلّابة فينسبونه إلى الشعر ويصفون قائله بالشاعر ، قال سبحانه حاكياً عنهم : « بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا ارْسِلَ الاوَّلُونَ » ( الأنبياء / 5 ) . ويجيبهم القرآن بقوله : « وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ إِنْ هُوَ الَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ » ( يس / 69 ) . إنّ هذه النظرية إبتنت على إنكار ما وراء الطبيعة فصار الوجود عندهم مساوقاً للمادّة فلم يجدوا منتدحاً عن تفسير الوحي بما جاء في هذه النظرية . إنّا إذا سبرنا تاريخ المصلحين في العالم نجدهم على فئتين . فئة تتكلّم باسم الدين الإلهي وتخبر عن اللَّه سبحانه وينسب كل ما يأمر وينهي إلى عالم الغيب ولا يرى لنفسه شأناً سوى كونه مبلّغاً لرسالات اللَّه ومؤدّيا لبلاغها وإنذارها . وفئة تتكلّم باسم المصلح الاجتماعي وينسب كل ما يتفوّه به إلى بنات فكره وعقله ، فلو صحّت تلك النظرية لما كان لهذا التقسيم مفهوم صحيح وعندئذ يتساءل : لما ذا نسبت الفئة الأولى ما جاؤوا به من التعاليم إلى عالم الغيب مع أنّه من ومضات فكرتهم هذا ، ومن جانب آخر إنّ المصلحين باسم الأنبياء كانوا رجالًا صادقين وصالحين لم يبدر منهم ما ينافي صدقهم وصلاحهم ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّهم كانوا يحسّون من صميم ذاتهم بأنّهم مبعوثون من جانبه سبحانه . إنّ هذه النظرية التي تفسّر الوحي بالنبوغ وتوسّم الأنبياء بالنوابغ لم تدرس أحوال النوابغ والعلل والمبادئ التي يرتكز عليها النبوغ حتّى تقف على أنّ أحوال